الشيخ محمد هادي معرفة

128

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وأمّا الكواهن من النساء فإنّهنّ كثيرات ، منهنّ : طريفة كاهنة اليمن ، وهي أقدمهنّ . وزبراء بين الشِّحر وحضرموت ، وسلمى الهمدانية الحميرية ، وعفيراء الحميرية ، وفاطمة الخثعمية بمكّة ، وزرقاء اليمامة . . . وغيرهنّ . . . وينسبن إلى القبيلة أو المدينة ككاهنة بني سعد ، يزعمون أنّها أقدم عهدا من شقّ وسطيح ، وأنّها استخلفتهما . « 1 » وما زالت الكهانة في العرب حتى أبطلتها الشريعة الإسلامية : « لاكهانة بعد النبوّة » . « 2 » وكانت لهم لغة خاصّة تمتاز بتسجيع خصوصي يعرف بسجع الكهّان ، مع تعقيد وغموض ، ولعلّهم كانوا يتوخّون ذلك للتمويه على الناس بعبارات تحتمل غير وجه ، كما كان يفعله بعض أرباب التنجيم في عهد قريب ، حتى إذا لم يصدّق تكهّنهم ( وبالأحرى تخرّصهم بالغيب ) جعلوا السبب قصور أفهام الناس عن فهم رموز الكاهن أو المنجّم . ومن أمثلة سجع الكهّان ما يروونه عن « طريفة » كاهنة اليمن ، حين خاف أهل مأرب سيلَ العرم . أنّها قالت لهم : لاتؤمّوا مكّة حتى أقول ، وما علّمني ما أقول إلّا الحكم المحكم ربّ جميع الأمم من عرب وعجم . قالوا لها : ما شأنك يا طريفة ؟ قالت : خذوا البعير الشذقم فخضّبوه بالدم ، تكن لكم أرض جرهم ، جيران بيته المحرم . « 3 » هذا ، ولم يكن السجع في الجاهلية خاصّا بالكهّان في نبوءاتهم ، بل كان شائعا - كما ذكرنا - بين البلغاء والخطباء عندما يخطبون أو يعظون ، يجعلون حِكَمَهُم في جُمَلٍ قصار ذات تسجيع وترصيع ، لتكون أوقع في النفوس وأحفظ وأبقى . كما لم يغفل القضاة منهم أن يُصدروا أحكامهم في الحقوق والجزاء في عبارات مسجوعة شبه مصراع أو مصراعين ، ولعلّه أثبت وأضبط للحفظ .

--> ( 1 ) - السيرة الحلبية ، ج 1 ، ص 33 - 34 . ( 2 ) - كشف الظنون ، ج 2 ، ص 1524 - 1525 ، حرف الكاف علم الكهانة . ( 3 ) - تاريخ الآداب لجرجي زيدان ، ص 212 .